الجغرافيا السياسية الوعرة للعراق

Screen Shot 2017-05-14 at 10.58.50 AM

قد يكون في أي بلد جغرافيا وعرة جداً تعوق فتح الطرقات وبناء المساكن وتشكل معضلة، لكن أن تكون جغرافيته السياسية وعرة إلى درجة تعرقل استقراره وأمنه فهنا المعضلة أكبر.

العراق في موقع جيوسياسي صعب جداً بين دول مؤثرة في شكل كبير، يشترك معها بحدود طويلة وعواطف دينية كبيرة تحرّك طوائفه.

ثاني تعقيدات جغرافيا العراق السياسية هي التأثيرات الحضارية المحيطة، إذ إن تركيا التي احتلت العراق مئات السنوات، كانت مؤثراً أساسياً في تغيير عاداته وتقاليده وتاريخه، وربط جزء من هذا التاريخ بالدولة العثمانية التي كان العراق جزءاً منها.

إيران كذلك احتلت العراق مرات عدة منذ عام 1530 وحتى عام 1736 الأمر الذي جعل الحضارة الفارسية موجودة في العراق ومؤثرة في تاريخه.

التعقيد الثالث هو القوة الاقتصادية المحيطة بالعراق، فبعد انتشار الفساد المالي والإداري وغرق الحكومة العراقية في الأزمات الإقتـــصادية وفقدان القدرة الصناعية والإنتاجية والبنائية تحول العراق إلى بلد مستورد من الدرجة الأولى يعتمد في كل شيء على الدول المحيطة. فتركيا شمالاً التي تحولت الى عملاق إقتصادي منــافس حتى للدول الأوروبية تصدر للعراق الكثيرمن المنتـــجات الأساسية، مع تواجـــد كبير للشركات التركية التي تساهم في عمليات إعادة الإعمار وبناء البنية التحتية، إضافة إلى أن أهم أنابيب النفط التي يصدرها العراق تمر عبر موانئ تركيا، ما يجعلها تســـيطر على مصدر دخل مالي كبير، وبالتالي فالعراق يعتمد على تركيا وهذا الاعتماد الاقتصادي يرتبط بالاستقرار السياسي. السعودية كذلك، عملاق صناعي بنظرة مســتقـــبلية إيجــابية، إذ تملك حالياً مشاريع صناعية كبيرة وتعمل على مشــاريع المستقبل القريب العملاقة مع وجود شركات سعودية برؤس أموال كبيرة مستعدة للاستثمار والمنافسة، ونظراً إلى صعود القيادة الشابة في السياسية السعودية، كانت أولى خطواتها الانفتاح نحو العراق وبدء صفحة علاقات جديدة.

بالنتيجة سيكون التأثير الاقتصادي السعودي قوياً في العراق، خصوصاً مع وجود الروابط الدينية واللغوية والعشائرية وغيرها والتي تعطي الأفضلية على تركيا، وبالتالي سيكون التأثير الاقتصادي السعودي مثل التأثير التركي أو أكثر قوة.

رابع التعقيدات الجيوسياسية، اختلاف الفكر السياسي المحيط بالعراق، فهو لا يستطيع أن ينشق عن محيطة ويغرد خارج السرب بما هو مضر بمصالح الدول أو بما هو مع سياسة دولة معينة على حساب باقي الدول، خصوصاً أن له ارتباطات دينية حضارية واقتصادية، وبالتالي فهو متربط سياسياً بالدول المحيطة.

فالعمالقة الثلاثة المحيطون بالعراق من ثلاثة جهات، السعودية وتركيا وإيران، كل لديه مواقف سياسية مختلفة مع الأخر، ومختلفة تجاه قضايا حاسمة، مثل مكافحة الإرهاب وتعريفه، والانفتاح وحجم العلاقات مع الغرب، ودعم القضية الفلسطينية وصولاً إلى شكل نظام الحكم. فعلى سبيل المثال العراق لايستطيع التعاون مع الولايات المتحدة التي تسعى إلى مواجهة إيران، لأن هناك تأثيرات دينية حضارية وسياسية، إذ كانت راعية للإحزاب الحاكمة في العراق.

كذلك لا يستطيع أن يكون مؤيداً للسياسية الإيرانية، لأنه سيخرج عن محيطة العربي كما حدث سابقاً وسيخسر علاقاته العربية، وربما الإقليمية ايضاً، أي مع تركيا.

العراق يجب ان يراعي وجهة النظر السعودية تجاه القضايا الخلافية مع إيران، مثل الحرب مع الحوثيين في اليمن واعتبار «حزب الله» في لبنان إرهابياً وغيرها من القضايا، فهو يسعى إلى إصلاح العلاقات مع السعودية، لذلك يجب ألا يطلق التصريحات الانفعالية كي لا يخسر حليفاً دينياً واقتصادياً وسياسياً مؤثراً في المحيط العربي.

كذلك داخلياً لم تسمح الحكومة العراقية باستمرار قضية الاستفتاء على الانفصال الكردي عن العراق، لأنه يؤثر في أمن إيران وتركيا، وكان سيخسر العلاقات والدعم، بل قد يخسر أمنه الداخلي إذا اتخذت الحكومتان الإيرانية والتركية قراراً بالتدخل العسكري.

في النهاية، الجغرافيا السياسية العراقية وعرة وخطرة جداً، والسؤال هو كيف يستطيع العراق أن يوازن بين هذه المؤثرات الدينية والاقتصادية والسياسية والحضارية؟

لمشاهدة المقال في الصحيفة اضغط هنا 

Advertisements