عالم متعدد الاقطاب… عالم مستقر 


كان العالم قبل الحرب العالمية الثانية غير متوازن، فالتحالفات متغيرة والحروب مفاجئة والأزمات مستمرة لسنوات طويلة، منهكة خلالها الدولة ومواردها وشعبها، فلا توجد دولة أو مجموعة دول قوية تستطيع فرض سيطرتها بقوة عسكرية وأقتصادية وتكنولوجية. كان ذلك عالم اللاقطبية.

بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار العالم القديم، ظهرت قوتان عظميان: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، استطاعتا، بقوتهما العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، السيطرة على العالم وعلى قسم من أوروبا الشرقية والغربية ليصير العالم ثنائي القطبية.

عام ١٩٩١ تفكك الاتحاد السوفياتي وغرق في أزماته، فصارت الولايات المتحدة هي القوة العالمية العظمى، بقوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية من دون منافس، ليصبح العالم أحادي القطبية.

عالم القطب الواحد الذي تحكمه الولايات المتحدة، على رغم محاسنه لأوروبا وبعض دول آسيا والشرق الأوسط، عالم غير عادل، فمن كان حليفاً مقرباً للولايات المتحدة لا ينطبق عليه القانون والعدالة الدولية وإن تجاوزها. مثلاً جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين واحتلالها الأراضي العربية، تغطيها الولايات المتحدة وتقف الى جانبها دوماً. كذلك احتلال العراق، فحدث على رغم المعارضة العالمية واللاشرعية الدولية. في أميركا الجنوبية ساهمت الولايات المتحدة بإسقاط حكومات ودعم صعود حكومات أخرى لتحقيق مصالحها على حساب شعوب تلك الدول. كذلك تفرض سيطرتها على الموارد الطبيعية العالمية بقوة السلاح أو تقديم التسهيلات للحكومات والحكام والسكوت عن جرائمهم، وغيرها الكثير، ما يجعلنا نستنتج أن لا عدالة في عالم القطب الواحد.

وعلى ما يبدو هناك اتجاه لتحول العالم الى متعدد الأقطاب، بمعنى إن هناك دولاً ستتساوى مع الولايات المتحدة في بعض القوى، مثل القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، لتصبح أقطاباً عالمية. فقد تتحول ألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان الى أقطاب عالمية تكنولوجية تتجاوز الولايات المتحدة بإنتاجها وتقنياتها والتي هي أصلاً منتشرة بكثرة حول العالم. كذلك قد تتحول سنغافورة وماليزيا والصين الى أقطاب اقتصادية عالمية، خصوصاً الصين التي يُصنع فيها كل شيء حول العالم، والتي يقفز اقتصادها في شكل كبير، مرعباً أميركا وأوروبا. أما روسيا فقد تتحول الى قطب عالمي في صناعة الأسلحة فهي الأن ثاني مُصنّع ومصدّر للسلاح في العالم، وليس غريباً أن تتجاوز الولايات المتحدة في يوم ما وتصبح القطب العالمي الأول في التسليح.

العالم المتعدد الأقطاب سيتشكل من أقطاب عالمية عسكرية أيضاً، أي من تحالفات عسكرية كبيرة، فحلف «الناتو» سيكون في المستقبل، وبعد الابتعاد عن الدعم المالي الأميركي، قوة عسكرية مؤثرة في أوروبا وشمال أفريقيا. كذلك في آسيا قد يتشكل تحالف عسكري يجمع عدداً من الدول، مثل الهند والصين وماليزيا وسنغافورة واليابان، يضاهي القوة الأميركية. وفي الشرق الأوسط قد تتحالف دول عربية عدة لتشكل قوة عربية، تبدأ بمكافحة الإرهاب وتتوسع لتصبح قوة عسكرية مؤثرة. وهذه التكتلات العسكرية ستمتلك موارد مالية وبشرية كبيرة يحوّلها الى منافس للقوة العسكرية الأميركية، ما يخلق توازناً عسكرياً عالمياً.

إن تحوّل الدول الى أقطاب عالمية عسكرية أو إقتصادية أو تكنولوجية يخلق عدالة عالمية وشراكة في اتخاذ القرار والتأثير الدولي، ما قد يضع صعوبات أمام قرارات الولايات المتحدة تجاه بعض القضايا، إذ ستواجه أقطاباً متفوقة عليها في نواح عدة.

وبذلك تكون النتيجة أن العالم المتعدد الأقطاب سيكون أكثر استقراراً وأمناً وعدلاً، فلا يعود هناك دولة قادرة على فرض مصالحها على الجميع، فالأقطاب العالمية تتصدى لمن يريد فرض مصالحة على الآخرين، وتستطيع مواجهة أي نوع من الضغوطات، ليتحقق بذلك سلام عالمي.

لمشاهدة رابط المقال في الصحيفة اضغط هنا

Advertisements