هكذا تتناسل الأزمات العربية

Screen Shot 2016-02-26 at 8.40.33 PM

لطالما كانت الأزمات والمشاكل مستمرة في الوطن العربي على مدى عقود يضيع خلالها الكثير من المال والجهد ومستقبل الأجيال، وحتى كل ما تم بناؤه من عمران أو ما تم إصداره من قوانين وأنظمة، تذهب كلها أدراج الرياح أو تفقد فاعليتها بسبب استمرار الأزمات والمشاكل من دون حلول. ففي العراق، مثلاً، هناك أزمة حكم، وأزمة توافق مكونات المجتمع دينياً وقومياً، وأزمة إدارة الدولة، وأزمة فساد مالي، وأزمة الخدمات وغيرها، حولت البلاد الى شبه دولة تعاني الفشل الحكومي. كذلك الأزمات تولد وتبدأ بالتكاثر بحيث أي أزمة يمكن أن تؤدي الى أزمة جَديدة لم تكن موجودة، فأزمة الحكم تؤدي الى أزمة إدارة، وأزمة الإدارة تؤدي الى أزمة فساد، وهكذا يستمر توالد «الأزمات الموازية»، بمعنى أن خطر أزمة الفساد يوازي خطر أزمة الإدراة، وبدوره يوازي خطر أزمة الحكم.

على مر العقود كان معظم رجال حكومات الدول العربية يتهربون من حل الأزمات في بلدانهم ويؤجلونها للحفاظ على مصالحهم السياسية، ولأن الوصول الى الحل يتطلب جهوداً استثنائية وتغييرات أساسية في بنية الحكومة وتوزيع السلطات، فان هذه التغييرات تؤدي إلى خسارة فريق أو أكثر مِن الأحزاب أو المسؤولين لمصالحهم وسلطاتهم، ما يجعلهم يفضلون الهرب إلى الأمام وإبقاء الأزمة في الخلف. بل إن بعضهم يشجع حالة اللامبالاة وإضعاف الولاء، والإبقاء على الجهل التجهيل كي يبقى كل شيء على حاله من دون ظهور مطالب الإصلاح.

تحت كل أزمة تولد ألف مشكلة بشكل مستمر، ونظراً الى أن الأزمات مستمرة لعقود من دون حل، لذلك تتكاثر المشاكل بشكل سريع حتى تبدأ بتعطيل عمل الحكومة وإصابتها بالشلل، لتصل إلى حال العجز عن أداء وظائفها فتكبر المشاكل لتؤثر على المواطن وتصبح المشكلة جزءاً من حياته. ومثال على ذلك مشكلة التخلص من النفايات في لبنان التي سببها أزمة الإدارة وأزمة الفساد، فهي بدأت منذ عام ١٩٩٤ واستمرت المشاكل المتعلقة بالعقد والتكلفة وغيرها بالتضخم، وظهرت إلى السطح بعد أن حولتها أزمة الإدارة وأزمة الفساد مع حجم المشكلات الكثيرة والكبيرة الى أزمة يوازي خطرها بقية الأزمات.

كثيراً ما يتجه السياسيون والمسؤولون الى حل المشكلات التي ولدت بسبب الأزمات، والتي تعطي ردود فعل إيجابية سريعة وموقتة، لكنها ليست نهائية حاسمة، لأن هذه المشكلات ستولد في مكان آخر وبشكل آخر، ولن تنتهي ألا إذا حُلّت الأزمات المسببة لها. وكل ما يُصرف لها مِن مال ووقت وجهد هو ضائع.

إن عدم الوصول الى حلول جذرية للأزمات يُضعف أسس الحكومة، بل قد يكون سبباً لإسقاطها بأشكال عدة، كالثورة والانقلاب أو الاقتراع الديموقراطي، ومثال ذلك ما حدث في ليبيا واليمن وسورية وتونس ومصر، حيث كانت أزمة التشبث بالحكم قد ولّدت عدداً من «الأزمات الموازية» التي خلفت عدداً من المشكلات الضخمة التي استمرت طوال عمر هذه الأنظمة لتشعل ثورات التغيير والإصلاح الجذري لها.

إن ما تمر به حكومات الوطن العربي من مرحلة صعبة قد يؤدي الى إعادة رسم الخارطة الجغرافية لبعض البلدان بسبب تراكم الأزمات، ما يفرض على الحكومات الجديدة أو المستقرة أن تنفذ خطوات تصحيحية وتعمل على الاستجابة للأزمات بشكل سريع. والأهم أن تتخذ إجراءات وقائية لضمان عدم تكرار حدوثها. إن إصلاح الأزمات يستغرق وقتاً طويلاً، وتنفذه أجيال عدة تصرف له جهوداً وتضحيات وتكاليف مالية، لكن نتائج الإصلاح ستكون إيجابية ومؤثرة.

Advertisements